أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

180

العقد الفريد

فأقامه ؛ فقال عمر : أما واللّه ما اللّه أردت بهذا . ولن تصيب بها مني دنيا . أبو بشر الخراساني قال : خطب عمر بن عبد العزيز الناس حين استخلف ، فقال : أيها الناس ، واللّه ما سألت اللّه هذا الأمر قط في سر ولا علانية ، فمن كان كارها لشيء مما وليته فالآن . فقال سعيد بن عبد الملك : ذلك أسرع فيما نكره أتريد أن نختلف ويضرب بعضنا بعضا ؟ قال رجل : سبحان اللّه ! وليها أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ، ولم يقولوا هذا ؛ ويقوله عمر . أخبار عمر بن عبد العزيز بشر بن عبد اللّه بن عمر قال : كان عمر يخلو بنفسه ويبكي فنسمع نحيبه بالبكاء وهو يقول : أبعد الثلاثة الذين وأريتهم بيدي : عبد الملك ، والوليد ، وسليمان . وقدم رجل من خراسان على عمر بن عبد العزيز حين استخلف ، فقال : يا أمير المؤمنين ، إني رأيت في منامي قائلا يقول : إذا ولي الأشجّ « 1 » من بني أمية يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا ؛ فولي الوليد ، فسألت عنه فقيل لي : ليس بأشج ؛ ثم ولي سليمان ، فسألت عنه فقيل : ليس بأشج ؛ ووليت أنت فكنت الأشج . فقال عمر : تقرأ كتاب اللّه ؟ قال : نعم . قال : فبالذي أنعم عليك به ، أحق ما أخبرتني ؟ قال : نعم . فأمره أن يقيم في دار الضيافة ، فمكث نحوا من شهرين ، ثم أرسل إليه عمر فقال : هل تدري لم احتبسناك ؟ قال : لا . قال : أرسلنا إلى بلدك لنسأل عنك فإذا ثناء صديقك وعدوّك عليك سواء ؛ فانصرف راشدا . وكان عمر بن عبد العزيز لا يأخذ من بيت المال شيئا ، ولا يجري على نفسه من الفيء درهما : وكان عمر بن الخطاب يجري على نفسه من ذلك درهمين في كل يوم ؛

--> ( 1 ) الأشجع : الذي في جبينه أثر الشجّة .